محمد متولي الشعراوي

1828

تفسير الشعراوى

عن أمر اللّه الذي قاله الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم طبق اللّه عليهم سنته ، إذن فهي سنة بالحق ، لكنهم ظنوا باللّه ظن الجاهلية ، والمقصود به إما ظن أهل الجاهلية ؛ وإمّا أن تكون الجاهلية علما على السّفه كله ، وهذا الظن له نضح سلوكى . « يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ » أي هل انتصرنا أو ظفرنا أو غلبنا أو أخذنا غنائم ؟ أو يكون قولهم : « هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ » مقصودا به : أننا خرجنا إلى المعركة بدون رأينا ؛ فقد كان من رأينا ألا نخرج وأن نظل في المدينة وعندما يدخلونها علينا نحاربهم . « يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ » هم لم يمتلكوا البصيرة الإيمانية ولم يعرفوا لماذا لم ينصرهم اللّه ، هم فهموا أنهم لم ينتصروا ؛ لكن في عرف الحق أنه انتصار ؛ لماذا ؟ لأنّ المعركة أثبتت أن المبدأ إن خولف فلا نصر ، إذن فالإسلام قد انتصر ، ولكن الذي انهزم هم المتخاذلون عن منهج الإسلام ، وهذا نصر للإسلام في ذاته . ولذلك يجب أن نفرق دائما بين المبدأ الإسلامي والمنسوبين للمبدأ . إياك أن تأخذ الحكم على المبدأ من المنسوبين للمبدأ ، فلا يكون المنسوبون للمبدأ حجّة على الحكم في ذاته إلا إذا كانوا ملتزمين به ؛ لأن اللّه حينما شرع دينا سمّاه الإسلام ليحكم حركة الحياة في الناس فهو قد قنّن وحرّم فيه أفعالا ، وما دام قد قنن وحرم فيه أفعالا فمعناه أن المؤمنين المسلمين الذين انتسبوا له من الممكن أن يخالفوا بأفعالهم تلك الأحكام ، فعندما يقرر الإسلام جلد أو رجم الزاني والزانية ، وحينما يشرع الإسلام قطع يد السارق أو السارقة ، وحين يشرع الإسلام تلك العقوبات للجرائم ، فمعنى ذلك أنه من الجائز أن تحدث تلك الجرائم ، فإذا ما حدثت فأنت لا تأخذها من واقع مجرّم لتحكم به على الإسلام ، لا تقل إن الإسلام أباح السرقة بل قل : سرق مسلم ووضع الإسلام عقوبة صارمة عليه وهي قطع يده . « يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا » وهذه هي الفضيحة لهم ، فماذا كانوا يريدون أن يكون لهم ؟ كانوا يريدون ألا يخرجوا للمعركة فقالوا : لو كان لنا من الأمر شئ واتبعنا منطقنا ، لما جئنا الموقعة هنا وحصل لنا ما حصل ، هذه واحدة ، أو لو كان لنا شئ من الظفر الذي وعد اللّه به محمدا وأصحابه ما قتلنا ها هنا ، فعلى الرأيين يصح المعنى ، فكأنهم أرادوا أن